تَطرق التاريخ وتوغل فيه لتتعرّف على شعوب وقبائل..فيأتيك ما يشدّك، ما تراه انعكاساً واضحاً أو لنقل (مرايا) ما بين زمنين مختلفين..حضارتين مختلفتين..ودينين مختلفين..
لكن الذي اشتركتا فيه هو قاسم الإنسانيّة المشترك ..والطبائع البشريّة التي طبع الله بها كل الأمم ،لتدور السنن الإلهية عليها كلها..
النهضة والرقي الفكريّ العظيم لا يدفع الانحلال الخلقي ..وقد يجتمعان في مجتمع من المجتمعات معاً..
سنّة إلهيّة يمكننا أن نثبتها بصروف الدهر التي مضت على الأمم كلها ..ونراها اليوم في بعض الدول على اختلاف درجة الوضوح ..
تبرز أهميّة وضع هذه السنّة الإلهيّة في الاعتبار في أنها توفّر علينا الكثير من الوقت والجهود الإصلاحيّة التي قد تذهب في محاولات غير مجدية للإصلاح الديني لتغيير الخلق العام أو لدفع المجتمع إلى التحضّر..!
حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه”..
فهذا يجعلنا أمام تفريق واضح بين الدين والخلق في صعيد الممارسة ..فلا الدين بلا خلق وحده ينفع ولا الخلق بلا دين وحده ينفع ..وفي الوقت ذاته لا ينفي وجود التدين بلا خلق في فرد ولا خلق بلا دين في فرد آخر..
ونهضة الشعوب قد توقدها العقائد ..لكنّها ليست كل المفاتيح ..والإيمان بشمول الإسلام لا ينافي ذلك مطلقاً..
وحين يؤتى بالمؤسسات الدينيّة وتوضع في فوّه المدفع كمفتاح لحل كل شرور العالم وإحياء السلام واستنبات النهضة من أرض بوار فهذا محض خرافه!..
إن النهضة الحقيقة لا تعني فرض الوصاية الخلقيّة على المجتمع ليبتعد عن ممارسة الانحلال الخلقي أمام العامة فقط .. ليضمر وازعه الداخليّ شيئا فشيئاً خوفاً من المؤسسة ..لا خوفاً من الله!
النهضة هي نهوض في كل صعيد .. مهما بان لنا أنه صعيد تافه وبسيط..وفي الوقت ذاته النهضة أمر مركب يفصل بين عناصره فترات زمنيّة أو حتى أولويّات يجب أخذها في الاعتبار..
سؤالنا هنا..ما الذي ينهض أولاً؟
هل تشجيع الممارسات الحضاريّة الواعية ..أم التثقيف الدينيّ وبثّ التدين ؟
إن التوازن المطلوب والذي أرى به قد يجعلني فريسة مناسبة لمجموعات من الأشخاص هم على طرفي نقيض..!
الممارسات الحضاريّة لها من الجاذبيّة ما يبعث في الإنسان الشعور بكيانه الواعي وبرقيّه وبثقته ..
مما يقوّي مناعته ضد كل ما يمسّ ذاته وقيمه أو ما يمارسه ، يشمل هذا الدين أو العقيدة الدينيّة..
والعقيدة الدينية..والروحانيّة التي يمكن أن يضخها الدين الإسلاميّ ..يمكنها أن ترطّب الأجواء المحمومة دوماً..وتخلق للممارسات الحضاريّة بعداً أعمق وأكثر رسوخاً وأكثر تطوّراً من مجرّد المسؤولية المدنيّة!
وأعتقد أنه لو كان لنا من الوعي والفهم ما يجعلنا نستطيع أن نحدد أولويّاتنا الحضاريّة فإنه لن نستمر في الدمج و التعميم وإذابة كل المفاهيم الكبرى في كلمة واحدة هي (الدين) لتجعل الأمر أشبه بسراب لا يمكننا الوصول إليه!
والرسول صلى الله عليه وسلم فصل في الحديث السابق جزءاً – نعرف تماماً أن الدين يدعو إليه ويحث عليه – عن الدين ذاته ..
والسبب واضح جدا..أن الممارسات المختلفة لها مسمّيات مختلفة وهي ذات درجة أهمية متفاوتة في أوضاع متنوّعة!
ففي حالة الزواج ..ممارسة الخلق الحسن تبرز كأهميّة..
وفي حالة البيع والشراء ..فالأمانة التجارية تبرز كأهميّة..
وفي حالة السياسة فالحلم والأناة تبرز كأهمية..
وهكذا دواليك ..
وهنا تظهر لنا أهميّة تلك السنّة الإلهيّة التي نتكلّم عنها ..وهي أن الرقي الفكري أو النهوض الحضاري قد يصحبه تفسخ أخلاقي ..فإن الناس تذهب للتاجر الأمين حتى وإن كان لا يصلّي.!
لأنها ترى أن الأمانة هنا مرتبطة بهم على شكل مصلحة ضروريّة وملحة ..فلا يمكن أن نقول للناس أن يقوموا بدعم التاجر الغشاش لأنه رجل مصلي وأن يقاطعوا التاجر الأمين لأنه يؤخر الصلاة!
ففي هذا جهل بالأولويّات وتحجيم للأمانة وتقليصها بل وخنقها في مجال تبرز فيه كأكبر عامل للنجاح !وأكبر دليل على تحضّر الدين أيضاً.!
فأن كلمة الدين تعبر في مفهومها العام عن مجموع العقائد والممارسات التي يقوم بها المعتنق لهذا الدين ..
تلك الممارسات التي تتصل بشكل مباشر مع العقيدة ذاتها ..
وحتى لا يفهمني البعض بأنني أقصي الدين عن عناصر النهضة الحضاريّة ..فإنني أعتقد أنه لو نهضت الأمة الإسلامية فإن نهضتها ستختلف عن نهضة أي أمة لوجود عنصر الدين فيها جنباً إلى جنب مع كافة العناصر المحركة الأخرى..هذا إن وجدت التوليفة المناسبة التي لا تجعل الدين يقع تحت تفسيرات قاصرة من بعض من يدّعون أنهم رجاله!