
أرض الكِنانة ..مِصر..
لكم أحببت أن أرى هذه الأرض التي قذفت من رحمها نوابغ في الفكر والأدب..
وكم سعدتُ بخبر رحلتي هذه..لأرى ملامح بلدٍ لطالما حداني الفضول لأكتشفه عن قرب..يحفّزني كثرة ماكتبه الكّتاب عنها…
إليكم بضع حكايا من هناك ..بعين صغيرة قليلة الخبرة..
سأسرد الأيام تباعاً..وسأحدث التدوينة يومياً تقريبا إلى إنهاء الرحلة…فأرجو منكم صبراً:)
السبت 8-12-1429هـ.
اليوم الأول:شارع طلعت حرب..وملامح أولى:
وصلنا إلى أرض الكنانة الساعة الرابعة عصراً تقريباً..وأول مكان وطأته أقدامنا من مرافقها كان المطار..خُيّل إلي أنه مستشفى حكوميّ بمبناه المغلق وألوان جدرانه الغريب..فتشعر وكأنك تزور مريضاً..
دخلنا وركبنا إحدى سيارات الأجرة …يقودها رجل كبير في السن ..وددتُ لو أسجّل حديثه لفرط ما أضحكني واستغربته..ولشدّة صراحته ووضوحه..
كان قد شغّل شريط كاسيت لتلاوةٍ للشيخ مشاري العفاسي..وبدأ يتمتم معه وصوته يعلو وينخفض بحسب اندماجه ..وتعرف من الصوت المُلاك المنبعث بأن الشريط مهترئ وقديم وأنه أعيد تشغيله مراراً وتكراراً..
كان حديث الرجل يدل على خبرته في الحياة ..ومما قاله..وصدق في قوله..أنك لا تكاد تجد طبقة متوسطة الحال في هذا البلد!!فإما غني فاحش الغنى وإما فقير مسحوق..وكان ماقال..!
كان غاضباً..ككثير من هؤلاء الكادحين ..تشعر في نبرته قهر الحاجة وعزّة النفس معاً…
وجهتنا كانت فندق النبيلة ..وأثناء الطريق ..كنت أرى من النافذة الحياة القاهرية المزدحمة..
الزحام ..الزحام غريب ..تشعر وكأنك وُضعت في أنبوب ضيّق ..ضيّق جداً..ومعك ملايين البشر..طريقة قيادتهم جِدُّ مخيفة..فالزحام يدعوك للجرأة!صوت منبه السيارة لا يقف مطلقاً..
رائحة الشارع تعج بعوادم السيارات وكأنك في محطة بنزين كبيرة لا تنتهي أبدا!!
وصلنا إلى الفندق ..وما لبثنا أن عزمنا أمرنا لنذهب إلى ميدان طلعت حرب لنقتنص فرصة الذهاب إلى مكتبات ذلك الشارع…!
أخذنا سيارة أجرة أخرى ..ووصلنا هناك الساعة الثامنة مساءاً..
الزحام البشري كان خانقاً جداً أيضاً…
دخلنا إلى المكتبة الأولى فالثانية ..لكن الوقت داهمنا فقد أغلقت المكتبات أبوابها باكراً!!
لم ابتع كتاباً واحداً..لكنني وجدت الكثير لأودعه كتاباً!!
الأشخاص العابرون هنا مختلفون عن بلدي….وجوههم هنا تحكي شيئاً مختلفاً..ترى فيهم عجلة ..وكأنهم يلاحقون أمراً ما..!
ملابسهم..هندامهم العام..اسلوب حديثهم ..كل هذا فيه سمة من الاستعجال..تراهم لا يعبأون بإشارة أو سيارة..يسيرون في الطريق سريعاً ولا يلتفتون كثيراً..
أمر آخر لليوم..
لسانهم وشجاعتهم الأدبية لا يُعلى عليها..فالشخص منهم يزوّق لك الحديث حتى كأنه ليس أحدٌ يجاريه!!وينطق فيما يخطر بباله دون مهابة أو خوف أو خجل!!
———————
الأحد9-12-1429هـ.

اليوم الثاني:قلعة صلاح الدين:
استيقظنا صباحاً …وقد عزمنا الذهاب إلى قلعة صلاح الدين..وبالفعل..ذهبنا إلى هناك..ورأينا الكثير مما يثير الشَجَن..
مسجد محمد علي الموجود داخل هذه القلعة ..يهولك بمنبره وثرياته وجدرانه المرمريّة..وتاريخ بناءه الحافل جداً..
إليكم ما عرفته عنه من فيّ مرشد سياحي مصري:)
أولاً:المسجد
وبالمقابل أهدى محمد علي الملك لويس “مسلّة فرعونية “موجودة الآن في باريس..

سجاد المسجد صناعة يدوية تركية..كان في الأصل قطعة واحدة على نول ضخم..لكن تم تقطيعها إلى أجزاء ليمكن نقلها..

يسمى المسجد بمسجد محمد علي أو المسجد المرمري نظراً لبناء جدرانه المحتويه على المرمر..
بني على نفس طريقة مسجد آيا صوفيا في تركيا..قبّة كبيرة ..وحواليها قبب أصغر ..

الثريا الموجودة والمتوسطة في المسجد وزنها 2 طن أهداها الملك لويس “ملك فرنسا”لمحمد علي مع ساعة موجودة في فناء المسجد
المنبر الأصلي..ووضع في جانب المسجد وليس في الوسط ..نظراً لعدم وجود المكبرات في ذلك الوقت ..فكان المكان مناسبا هنا ليكون الصوت أشدّ وضوحاً..وقد جربنا بالفعل وكان للصوت وقع عالٍ..

المنبر الجديد..وتم وضعه في عهد الملك فاروق..
ويبدو وكأنه هو الأصلي نظراً لتشابه الحجر المستعمل في المسجد..

وهذا هو كرسي المقريء الذي يقرأ القرآن..

يستخرج الماء عن طريق الدلاء.من بئر مجاور …ثم يتم وضعها من خلال فتحه لتسير من خلال القنوات للمصلين..

وهذه هي الساعة ..

المآذن عالية جدا ودرجاتها كثيرة جدا ..

هذا بالنسبة للمسجد..
لكن القلعة تحتوي على أكثر من هذا بكثير..
تحتوي على السجن..ومتحف الشرطة ومتعلقات محمد علي..قصوره ..والكثير الكثير..مما يضيق الوقت بذكره ..ولا أستطيع كتابته هنا..وسأضع لقطاته فقط..:)
كانت رحلتنا ماتعة وغنيّة..نصيحتي لكم ..تعرفوا على تاريخ بلادكم..وتاريخ أي بلدٍ تزورون ..فهو يخلق بعداً جديداً في رؤيتكم لهذا البلد..
أمرٌ آخر لفت نظري في هذا الشعب..شعبٌ فَكِه..ويعرف الكثير عن حضارة بلده ..فترى سائق الأجرة والعامل والبائع ..الكل يعرف ولو جزءاً قليلاً عن تاريخ بلده..
———————
الإثنين10-12-1429هـ.
اليوم الثالث:العيد ..والمتحف المصري:

هنا يوم العيد..في مصر..
يصل إليك صداه حتى وإن كنت في الطابق التاسع من الفندق!
دبّت الحياة منذ الساعة الــ:6والنصف صباحاً..الزحام عجيب جداً..وكأنها الساعة الثامنة مساءاً..
الكل يسير وترى من علٍ البالونات التي يمسكها الأطفال والرقص في الشوارع ..وعلامات فرحٍ لا أراها في بلدي..العيد عندهم أن تنسى كل شيء يسبب لك القهر ..وأن تحاول العيش من جديد ولو لساعات معدودة!!
في الظهيرة بدأت الجموع تتفرق ..ويخفّ الزحام في الخارج ..فانطلقنا للمتحف المصري..
بالرغم من أنني لا أحبّ الحضارة الفرعونية..ولم تستهويني قط!..لكنني ذهبت لأرى سبب افتخار المصريين الشديد بهذه الحقبة الزمنية..!
تعرفنا على الكثير وأرى أن أهم ماعرفته هو عقيدة الفراعنة ..القائمة على العودة بعد الموت أو كما يسمى عقيدة الخلود!
وهي عقيدة استمدّها الفراعنة من الطبيعة ..فرؤيتهم للبذرة تنبت الشجرة ثم تموت الشجرة مخلفة بذرة تنمو ثانية جعلت عقيدتهم تسير وفق هذا المنطق ..والحمدلله على الإسلام ..فلم يراودهم سؤال:من أوجد أول بذرة؟ومن جعلها تنبت؟
أهمية معرفتي بهذه العقيدة لا يكمن فيها بالذات ..لكن برز لي جليا كيف يمكن لعقيدةٍ أن تسيّر الحضارة في مسارها ..فالتحنيط كان نتيجة لعقيدة الخلود ..ودفن الأموات مع متعلقاتهم الشخصية أيضا كان بسببها ..وأغلب ما رأيته في هذا المتحف كان انعكاساً بشكل مباشر أو غير مباشر لهذه العقيدة التي يدينون بها!
فكيف بنا لو سيّرتنا عقيدنا الإسلامية الصافية..؟؟لكنّا ملوك الدنيا وسادتها ..ولفُتح لإنجازاتنا أكثر ..من مجرد متحف!!
———————–
الثلاثاء11-12-1429هـ.
اليوم الرابع:القناطر..الهرم:

لأنني أعشق الهدوء فإن الحياة في القاهرة كانت ضغطاً نفسيّاً شديداً في أحد أوجهها…
فعزمنا أن يكون يومنا هادئاً بعيداً عن الضوضاء ..لذا وقع الاختيار على القناطر..!
استأجرنا مركباً خاصاً..كان الهواء بارداً عليلاً..الماء المتماوج حولنا والسّحب البيضاء كالقطن المندوف بددت كثيراً مما كان يعتمل في صدري من ضيق الزحام ورائحة الوقود الخانقةّ!!
ومما حثّني على الكتابة حول هذه الرحلة هو منظر وحيد رأيته ..منظر النساء وهن يغسلن قدورهنّ في ماء النيل ..شيء واحد عرفته :كم في وطني من جاحد للنعم ومتبرّم !!
عدنا من هذه الرحلة وتوجهنا للمعلم الأكثر زيارة..الأهرامات ..

طريقها طويل جداً..ومتّرٌ للأعصاب أيضاً..فأنا وزوجي-كوننا سعوديي الجنسيّة-أصبحنا غنيمة العيد بالنسبة لبعضهم!!
أزعجني كثيراً..كثيراً جداً..أسلوب-الاستجداء-هناك!! وهو ما سأتحدث عنه لأنني أرى أنه أكثر أهميّة من رؤية الهرم نفسه..!!
يرى أنك سعودي ..يطلب منك إكرامية!!والسبب؟لاشيء ..لم يخدمك حتى!!
أثار غضبي وحنقي …لأنه كون في نفسي فكرة سيئة عن أهل مصر! وبتّ أشعر أن الجميع يبحث عن المال بغض النظر عن الطريقة!!
الأمر الذي أحزنني فعلاً..هو رؤية رجلٍ يكسر كرامته ويطلب منك مالاً ..ولم تمنعه عزّة نفسٍ ولا كرامة من أن يتبرّم مما تعطيه ويجادلك في جنيهين أو ثلاثة يريد منك أن تزيدها على ماأعطيته!
البعض قد يقول إنها الحاجة..ولكن ..للحاجة حدود الاضطرار ..لكن ..أن ترى رجلاً يطلب مالاً ليبتاع “لحماً”فهذا والله العجب!
منظرٌ لا أراه هنا في السعودية..ولا أتمنى أن أراه حتى ..والحمدلله على نعماءه ..
—————————–
الأربعاء12-12-1429هـ.
اليوم الخامس:كُرداسة:
رغم استماتتنا الشديدة في البحث عن المكتبات الني نُريد إلا أننا لم نوفّق في ذلك اليوم ..لذا ..اقترح علينا السائق الذهاب إلى كرداسة ..فوافقنا لما انتابنا من يأس!!
كرداسة- لمن لا يعرفها- هي سوق شعبي مصري من الدرجة الأولى ..يتخلّله بعض المحال “المرتبة”..أغلب البضاعة هي المنسوجات القطنية والتحف والتماثيل والهدايا التذكارية ..
أكثر ما يضحكك ..أو لنقل يثير عجبك هي طريقة أصحاب المحال هذه في جذبك لهم ..فهم لا يتوانون عن رفع أصواتهم وطلبهم زيارتك لهم ..البائعون رجال ونساء ..والطريقة سواء بسواء..ولأنني المطلوبة بالنداء هذه المرة فقد خرجنا أحياء!!
لأنه ليس من شيمي الخضوع والاستسلام والعناد مطلوب في مكان كهذا!!
استوقفني اليوم أمرٌ واحد ..أو بالأحرى امرأةٌ واحدة ..
امرأة كبيرة في السن ..بسّامة المحيا ..أرادت منّي الدخول بطريقة مختلفة عن الجميع ..أكثر ماتكون رجاء!!فأشفقت عليها ولذا دخلت ..عرضت علي بضاعتها في استماتة صامتةٍ منها لأشتري منها…
ابتعت منها لمساعدتها ..
لم تطلب زيادة ولا إكرامية!..إلا أنها قالت جملة واحدة “يا ابنتي ..إذا كانت لديك ملابس قديمة لستِ بحاجتها ..فأنا أربّي أيتاماً”..وددت لو أخلع ماعلي وأعطيها إياه..
طيّبت خاطرها ..وبدأت أتحدّث معها ..فسألتها إن كان هذا يومهم الأول في المحل بعد العيد فكانت اجابتها أشد إيلاماً..”ليس ثمّة بدّ من أن أطلب من صاحب المحل أن أفتح فأنا امرأة وحيدة ..وتعرفين الحال مع أطفال ايتام ..”ثم قالت وهي مبتسمة بانكسار:”ربّنا ما يحوجك لكِده”"فآه ما أشّد وقع حديثها ..
خرجنا من كرداسة ..وقد خلّفت فيها هذه المرأة ..ودعواتي..!
فاادعوا الله أن يوسّع عليها ويبارك لها في رزقها ..ويحفظ لها أيتامها..
اللهم آمين
|||لنا تتمّة